JavaScript is not enabled!...Please enable javascript in your browser

جافا سكريبت غير ممكن! ... الرجاء تفعيل الجافا سكريبت في متصفحك.

 


recent
عاجل
الصفحة الرئيسية

الشاعر الكبير الدكتور شعبان عبد الجيد يكتب : رواية السيرة الذاتية .. والتراجم التاريخية ( نماذج منها ومدخلٌ لقراءتها )

 

(مدونة فوارس الأدب) الشاعر الكبير الدكتور شعبان عبد الجيد يكتب : رواية السيرة الذاتية .. والتراجم التاريخية ( نماذج منها ومدخلٌ لقراءتها )

الشاعر الكبير الدكتور شعبان عبد الجيد يكتب : رواية السيرة الذاتية .. والتراجم التاريخية ( نماذج منها ومدخلٌ لقراءتها )    


• رواية السيرة الذاتية :

هنالك شكلٌ من أشكال السيرة ، يتواري خلف ستار الفن ، ويتخذ من الرواية أو القصة وسيلة للاعتراف والبوح بصورة غير مباشرة ، تجعل الأديب بمنجاة من اللوم والمؤاخَذة ، وتتيح له أن يُجريَ علي لسان الأبطال ما يثير ويزعج من الأقوال، أو ينسب إلي الشخصيات ما يشين ويُخجل من الأفعال. وهو في ذلك غير ملوم ولا معاتَب ، وحجته معدَّة سلفاً، فهو يكتب رواية خالصة ، لا هو بطلها ، ولا أحد شخصياتها ، ولا هو مسئول عما يرتكبونه من جرائم أو يتورطون فيه من رذائل .
من أمثلة ذلك ما حدث حين دفع محمد حسين هيكل بقصة " زينب " لتنشر بين أيدي الناس ، فقد تردد غير قليل في نشرها وفي وضع اسمه عليها ، واكتفي بدلا من ذلك بأن يضع لها هذا العنوان العجيب : ( زينب : مناظر وأخلاق ريفية- بقلم مصري فلاح ).

كان هيكل يخشي من سوء فهم الناس له وهو يصور حاضرهم في زمانه بعاطفة الحب والتغني بها ، " وأعتقد أن هيكل خجل من ألا يصدق بعض القراء خياله . ويأبي الشناعة الكبرى في استغفاله ( والحب والاستغفال في ذلك العهد وجهان لميدالية واحدة !) ويصر من فرط حساسيته للاستغفال وفطنته ودهائه علي أن في بطل القصة – قسما بالله العظيم – ظلالا من ملامح المؤلف ذاته ، فأراد هيكل أن يجنب سيرته الخاصة فضول الناس ، وألا يخرج المحامي الناشئ الذي يعيش في الريف عن العرف المألوف بالجهر بما ينبغي كتمانه، يكفيه أنه منحاز لحزب لا ترضي عنه الأمة كل الرضي". (1)

وقد اعترف هيكل نفسه ، ضمنياً لا صراحة ، بأن في رواية زينب شيئاً من سيرته ، " ولا أريد أن أحكم اليوم علي قصة كتبتها صدر شبابي بأكثر من أني ما أزال أراها تمثل شبابي تمثيلا صحيحا ، وأن فيها لذلك كثيراً مما أحب ، سواء لأنه دخل عالم الذكري حتى لأعجز إن حاولت استعادته ، أو لأنه يمثل أحلام الشباب وخيالاته ، مما أبسم له اليوم كما أبسم لما أسمع من خيالات وأحلام لشبانٍ ، هم اليوم في مثل سني يومئذ ، ولأنه بعض عزم الشباب ومضائه ، وهذا العزم الذي لا يعرف المستحيل ، بل يعرف كيف يتغلب علي كل مشقة ، ويذلل كل عقبة ، ويستسهل كل صعب ، ويحقق كل خيال، أو لأنه يشدو بموسيقي الصبا الحلوة العذبة المنبعثة من كل موجود في الأرض أو في السماء ... هذا وغيره من صور الصبا المرسومة في زينب يمثل شبابي ، ولذلك أحن اليوم إليه حنين القلب إلي مثوى محبوب ذهب ولن يعود ". (2 )

وكان المازني يصرُّ علي أن إبراهيم الكاتب ، وهو بطل روايته التي تحمل هذا الاسم ، ليس هو إبراهيم المازني ، مع أن أحداث الرواية توشك أن تكون هي قصة حياته في كثير من نواحيها ، بل إن ابنه ذكر أن الأسرةَ تعرف الحوادث التي سجلها في " إبراهيم الكاتب " ، كما تعرف الأشخاص أيضا ، وأن وجه الاختلاف ينحصر في الأسماء فقط ، إذ خلع المازني علي الأشخاص أسماء أخري ليحول عنهم الأنظار . ( 3 ).
كان المازني يحتج بأن إبراهيم الكاتب يتلقى الحياة باحتفال ، أما إبراهيم المازني فيتلقى الحياة بغير احتفال ، ويخبرنا الدكتور زكي مبارك بأنه صحب المازني أعواما في جريدة البلاغ وأياما في مدينة بغداد ، فما رأي أشد منه احتفالا بالتوافه من شئون الحياة ، فهو يغضب ويثور لأوهي الأسباب ، فكيف يكون حاله فيما يمس جوهر المنافع الحيوية ؟ ( 4 )

إن المازني ينفي وجود أي شبه بينه وبين إبراهيم الكاتب ، ويبالغ في هذا النفي أيما مبالغة ، وهو أمر يثير الشك ولا ينفي الدعوى ، فهو يؤكد علي أنه ليس بإبراهيم الذي تصفه الرواية ، وأن هذا المخلوق ما كان قط ولا فتح عينيه علي الحياة إلا في روايته " ثم أني لست أرضي أن أكونه ، فما تعجبني سيرته ولا مزاجه ، ولا التفاتات ذهنه ، وقد ندمت علي خلقه بعد أن سويته ، فلو كان دمية لحطمتها وطحنتها ، ولو كان صديقا لجفوته ونبوت به . ذلك أنه يتناول الحياة باحتفال ، وأنا أتلقاها بغير احتفال . وهو يعبس للدنيا ، وأنا أفترلها عن أعذب ابتساماتي ، وأحس السرور بها يقطر من أطراف أصابعي – كالعرق.
وهو مغري بالتفلسف وأنا أعد الواحد من هذا الطراز مرزوءا يستحق المرثية . وهو وعر متكبر وأنا سمح متواضع ، نفسه مرارة وأنا مغتبط بالحياة ، راض عنها قانع بها … فليس بيننا كما تري من تشابه سوي أن كلينا قصير قميء ، وأنا أزيد عليه أني أصبت بالعرج ، فليته كان هو المصاب وأنا الناجي المعافي ". ( 5 )
ويبدو المازني وهو يعدد ويؤكد الفروق بينه وبين إبراهيم الكاتب ، أشبه بالطفل الذي دل علي نفسه بأنه هو الذي سرق قلم زميله ، بينما يظن أنه بدفاع حماسي ساذج قد بَرَّأ ساحة نفسه ، ودفع عنها وصمةَ التهمة وعارَ السرقة !
وهنالك أمثلة أخري من روايات الترجمة الذاتية ، بين أبطالها وكتابها وجوهُ شبهٍ واضحة ، اعترف بها بعضهم وأنكرها آخرون ، لعل أشهرها في الأدب العربي رواية " الأيام " لطه حسين ، و " عودة الروح " " و يوميا ت نائب في الأرياف " لتوفيق الحكيم ، و " سارة " للعقاد . ومثل هذه الروايات ، مع ما فيها من معلومات وتفاصيل ، قد تفيدنا في درس الأدب من الوجهة النفسية ، ولكنها لا تعد مصدراً أكيداً ولا معتمداً لحديث مباشر وموثَّقٍ عن أصحابها .

• رواية الترجمة التاريخية :

وقريبٌ من رواية السيرة الذاتية هذه تقع الرواية التي يكتبها الأديب مترجماً لغيره، نتفق علي تسميتها برواية الترجمة الفنية التاريخية ، تلتقط مادتها من الماضي ، وتعتمد في أحداثها على التاريخ، أكثر أبطالها شخصيات حقيقية، وأغلب حوادثها وقعت بالفعل ، تستلهم حياة من تتناولهم ، وتجعل من كفاحهم وصراعهم قصصا مثيراً وفنًّا مؤثرًا ، وهي لا تكتفي بهذا بداهة ، وإنما تضيف إليهم شخصيات وهمية ، ومواقف من نسج الخيال ، وقد يشتط بعض كتاب هذه الروايات ، عمداً أو جهلاً ، فيختلق أحداثاً ويشوه تاريخاً ويزيِّف حقائق . ( 6 )
تقدم لنا الرواية التاريخية أجواءً ممتعة ومثيرة ، وتنقلنا إلي عوالمَ غامضةٍ وساحرةٍ ومجهولة ، وتعود بنا إلي عصور مضت وأزمنة لن تعود ، وتتيح لنا أن نتعرف علي أناس لم نرهم ، وأحداث لم نكن أحد أطرافها. وهي تعرض لنا التاريخ حيا ونابضا ومتحركا ، فتنشط ذاكرة الأجيال ، وتصل الخلف بالسلف ، وتذكر الأمم بالأعلام الذين ضحوا من أجلها وساهموا في صنع تاريخها ، وبالأوغاد الذين شرَوها بثمن بخس ، وهان عليهم كل ما قدمته لهم من خير ، تأتي بهم من غياهب الزمن ، وتنفض عنهم غيار النسيان ، وتحاول أن تنشئهم خلقا آخر . وهي في ذلك كله تتكئ علي وسائل الفن وتقنيات القص ، ويقتضي هذا ، أحيانا، أن يجور الأديب علي وقائع التاريخ ، ويجترئ علي ابتداع حوادث واختلاق شخوص، مع تفاوت في ذلك بين كتابها ، وهي لذلك ، ومثل رواية الترجمة الذاتية ، ولا تمثل مرجعا يستند إليه فن ترجمة شخص أو دراسة عصر.



كان الأستاذ علي الجارم واحداً من أفضل من كتبوا الرواية التاريخية في الأدب العربي الحديث ، إن لم يكن أفضلَهم علي الإطلاق ، وخلف لنا تسع روايات تاريخية ، وعاشرة لم تكتمل ، أكثرها ترجمات فنية وافية من بينها " الشاعر الطموح " و " خاتمة المطاف " وكلتاهما عن المتنبي ، و " هاتف من الأندلس " حول ابن زيدون وولادة بنت المستكفي ، و " شاعر ملك " حول المعتمد بن عباد الأندلسي ، وإلي جوار الجارم يجيء علي أحمد باكثير ومحمد سعيد العريان ومحمد فريد أبو حديد ، وآخرون جاءوا من بعدهم ، وساروا علي نهجهم، وإن لم يكونوا في مثل قامتهم فكرا وثقافة وإبداعا. ولا ننسى أن نشير هنا إلى الدور الرائد الذي قام به جوجي زيدان في سلسلة رواياته عن ( تاريخ الإسلام ) .. وإن كان المقام لا يتسع للحديث المفصل عنها .
وأخيراً ـ وليس آخراً بطبيعة الحال ـ فإن السير والتراجم من أكثر الكتب نفعاً لقرائها ودارسيها ؛ ففيها العظة والعبرة ، وفيها المثل والقدوة ، وفيها صور الكفاح والنجاح ، وفيها مظاهر البطولة والعظمة . نتعلم منها كيف نقاوم الصعاب ونواجه التحديات ، وكيف نجعل من ضعفنا قوة ، ومن عجزنا قدرة ، ومن فشلنا نجاحاً .
إن السير والتراجم تقدم لنا نماذج بشرية من لحم ودم ؛ تعيش في عالمنا ، وتعاني من مشكلاته ومتاعبه ؛ لكنها اختارت الطريق الأصعب ، وشقت الدروب غير المطروقة ، وسلكت المفاوز التي لا يسير فيها أحد .. تحملت المشقة ، وصبرت على الأذى ، وقاومت كل عوامل الإحباط واليأس .. وفي خاتمة المطاف استراحت على شاطئ الأمن ، واستقرت على ضفاف السكينة ، وسطَّرت أسماءها في سجل الخلود ...
وأرجو ـ إذا نسأ الله في الأجل وواتت الصحة وأسعفتني المقادير ـ أن أقدم للقارئ الكريم بعضاً منها في لقاءاتنا القادمة بإذن الله !
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش :

  1. فجر القصة المصرية ، يحي حقي ، الطبعة الثانية ، الهيئة المصرية العامة للكتاب ، سنة 1987م ، صـ 46
  2. زينب ، محمد حسن هيكل ، الهيئة المصرية العامة للكتاب ، سنة 1994م صـ 9
  3. إبراهيم عبد القادر المازني ، د. نعمات أحمد فؤاد ، الهيئة المصرية العامة للكتاب ، سنة 1978م ، صـ 224-225
  4. زكي مبارك ناقدا ، د. زكي مبارك ، الطبعة الأولي ، دار الشعب ، سنة 1978م ، صـ 136
  5. نماذج بشرية ، د. محمد مندور، صـ 194
  6. انظر المقدمة التي كتبها الدكتور سيد حامد النساج لرواية " أرمانوسة المصرية " لجورجي زيدان ، طبعة دار الهلال سنة 1983م
author-img

الأستاذ عثمان جمعة

تعليقات
    تعليق واحد
    إرسال تعليق
    • غير معرف4 نوفمبر 2022 في 6:36 م

      إنها النفس البشرية ، تواجه ذاتها فتخاف مقصلة الآخر فتهرب . أتذكر أنني منذ قرابة العشرين عاما مضت كنت أقرأ مسودة وكان الكاتب يخطئ أحيانا ويتحدث باسمه دون البطل ولعله كان يصدق ولا يخطئ.
      مقصلة نقد الأديب هينة وحدودها معروفة ، بينما مقصلة الناس بلا حدود ولا رادع. .. تحياتي لكم

      إرسال تعليقحذف التعليق
      الاسمبريد إلكترونيرسالة