بعد أن فرغ الإمام الزمخشري ( 467 ـ 538 هـ ) من تصنيف ( الكشاف عن حقائق التنزيل ) وهو من أجلِّ الكتب في تفسير القرآن الكريم ، أراد أن يُجِمَّ خواطر الناظرين فيه ، ويروِّح قلوبَهم المتعبة ، وينفِّس عن أذهانهم المكدودة ؛ فأخرج لهم كتاب ( ربيع الأبرار وفصوص الأخبار ) لتكون مطالعتُه ترفيهاً لمن ملَّ ، وإيناساً لمن اختل ، " فإن أردت السمر فيا له من سمير ، وإن أردت الخبر فقد وقعت على خبير ، وإن بغيتَ العظات المبكية ففيه ما يُشرِق بالدمع أجفانَك ، أو المُلَحَ المضحكةَ ففيه ما يفرُّ بمضاحكة أسنانك " .
ولقد طالعتُ الكتابَ بأجزائه الخمسة ، في ثلاث طبعاتٍ مختلفات ، والتي بين يديَّ الآن هي الطبعة التي حققها الدكتور عبد المجيد دياب ، وصدرت أوائل التسعينيات من القرن الماضي عن مركز تحقيق التراث ، وأردت أن أشرك القارئ معي في المتعة ببعض ما جاء فيه من روائع الأقوال وبدائع الأمثال ... فلْنبدأ على بركة الله :
رَوِّحوا القلوبَ تَعِ الذكر .
روحوا الأذهان كما تروِّحون الأبدان .
أطيبُ الزمان ما قرَّت به العينان .
قيل لحكيم : ما مَثَلُ الدنيا ؟ قال : هي أقلُّ من أن يكون لها مَثَل .
لا يزداد الزمان إلا شدة ، ولا تقومُ الساعةُ إلا على شِرارِ خَلْقِه .
مثَل الدنيا والآخرةِ : مثل رجلٍ له ضَرّتان ، إن أرضَى إحداهما أسخَطَ الأخرى .
الدنيا سُبات ، والآخرة يقَظة ، ونحن بينهما أضغاث .
إذا أبقتِ الدنيا على المَرءِ دينَهُ *** فما فاته منها فليسَ بضائرِ .
إذا عظَّمت أمتي الدنيا نُزع منها هيبةُ الإسلام .
ليست الدنيا بدار إقامة ؛ وإنما أُهبط إليها آدمُ عقوبة .
إذا قال الرجلُ : لعن اللهُ الدنيا ، قالت الدنيا : لعنَ اللهُ أعصانا لربِّه .
يقولون الزمانُ به فسادٌ *** وقد فسدوا وما فسدَ الزمانُ .
ما أسرعَ الساعاتِ في اليوم ، وأسرعَ الأيامَ في الشهر ، وأسرع الشهورَ في السنين ، وأسرع السنين في العمر !
بِع دنياك بآخرتك تربحهما جميعاً .
يا عاشقَ الدنيا يَغُرُّك وجهُها *** ولَتَندَمنَّ إذا رأيتَ قفاها .
ما من يومٍ ولا ليلةٍ ولا شهرٍ ولا سنةٍ إلا والذي قبلَه خيرٌ منه .
ما لنا لا يأتي علينا زمانٌ إلا بكينا منه ، ولا ولَّى عنا زمانٌ إلا بكينا عليه ؟!
من بنى على موج البحر داراً ؟ تلكم الدنيا فلا تتخذوها قرارا .
من باع أرضاً أو داراً ورثها من أبيه ، دعَت عليه طرَفي النهار .
قيل لأرسطاليس : ما الأشياءُ التي ينبغي للإنسان أن يقتنيَها ؟ قال : التي إن غرقت به سفينةٌ في البحر سبَحَت معه .
احذر أن تصير إلى جنَّةٍ عرضُها السماواتُ والأرضُ ، فلا يكون لك فيها موضعُ قدم .
إن مصرَ أطيبُ الأرَضينَ تراباً ، وأبعدها خراباً .
والبقية تأتي بإذن الله !
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
د. شعبان عبد الجيد

