
بديعُ المختار من ربيعِ الأبرار ! ( 3 )
*******************************
كان إقبال القراء على ما نشرته من بديع المختار تقديراً حصيفاً للتراث العربي الذي يزخر بطرائف الحِكَم وروائع الأمثال ، وإعجاباً ضمنياً ببلاغة العرب وسعة معارفهم . إن في مثل هذا الكتاب علماً بطبائع النفوس وخبرةً بأحوال البشر ، تجعلهم أئمة في علوم النفس والاجتماع والتاريخ ، وتجعلنا نعيد النظر في قراءة ما خلفوه لنا من ذخائر ونفائس ، تستحق أن نباهي بها غيرنا من الأمم .
وإلى القارئ الكريم تلك الأقوال المختارة من هذا الكتاب القيم ، آملاً أن يقلب فيها الفكر ، ويطيل فيه التأمل ، وأن ينتبه إلى حاجتنا إليها وإلى أمثالها في واقعنا التربوي التعليمي الذي نعيشه ، ومشكلاتنا الاجتماعية المعقدة التي نواجهها :
ما ضرب النبيُّ مملوكاً قط ولا غيرَه إلا في سبيل الله ، ولا انتصر قط لنفسه إلا أن يقيم حدًّا من حدود الله .وعنه عليه السلام : علِّق سوطَك حيثُ يراه أهلُك .
جاء الإسلامُ وإن جَفنةَ العباسِ لتدورُ على بني هاشمٍ ، وإن دِرَّته ( سَوطٌ يُضرَبُ به ) لمُعلَّقةٌ لسفهائهم ، فكان يُقال : هذا هو السؤدَد ( المجد والسيادة ) ؛ يُشبِع جائعَهم ، ويؤدِّبُ سفيهَهم .
لقمان الحكيم : ضربُ الوالد للولد كالسماد للزرع .
ضَرَبَ يزيدُ غلاماً فقال له معاوية : كيف طاوعك قلبُك على بسطِ يدِك على من لا يقدِر على رفعِها إليك ؟ فما ضربَ يزيدُ غلاماً بعد .
لقمان : لَأَنْ يضربَك الحكيمُ فيؤدبَك ، خيرٌ لك من أن يدهنك الجاهلُ بدُهنٍ طيِّب .
قيل ليحيى بن خالد : إنك لا تؤدب غلمانَك . فقال : هم أمناؤنا على أنفسِنا ؛ ف‘ذا أخفناهم ، كيف نأمنُهم ؟
رأى زُهَيرُ بن نعيم رجلاً معه ابنُه ، فقال : أهذا ابنُك ؟ قال : نعم : قال احذر ، لا يراك وأنت تعصي اللهَ فيجترئَ عليك .
لمَّا تزوج شُريحٌ زينبَ زارتها أمُّها بعد سنة ، فقالت له : لم يضمَّ رجلٌ إلى نحره شرًّا من ورهاء ( خرقاء ) ، وإنما زينبُ من النساء ؛ فإن رابَكَ منها شيءٌ فالسَّوط . فضحك ثم قال :رأيتُ رجالاً يضربون نساءَهم *** فَشُلَّت يميني يومَ أضرِبُ زينباوكـــــلُّ محبٍّ يمنـــح الوُدَّ إلفَه *** ويَعذِرُهُ يـــــــــوماً إذا هو أذنبا
كانَ معلِّمٌ يُقعِدُ أبناءَ المياسيرِ في الظلِّ ، وأبناءَ الفقراءِ في الشمس ، ويقول : يا أهلَ الجنة ابزُقوا على أهلِ النار .
قال عُتبة بن أبي سفيان لمؤدِّبِ ولدِه :لِيكن أولُ إصلاحِك لولدي إصلاحَكَ نفسَك ، فإن عيونَهم معقودةٌ بعينِك ، فالحسَن عندهم ما استحسنت ، والقبيح عندهم ما استقبحت . وعلمهم سِيَرَ الحكماءِ ، وأخلاقَ الأدباء ، وتهدَّدْهم بي ، وأدِّبهم دوني ، وكن لهم كالطبيب الذي لا يُعجِّلُ بالدواءِ حتى يعرفَ الدَّاء ، ولا تتكل على عذرٍ مني ، فإني قد اتكلتُ على كفايةٍ منك .
وقال عبد الملك للشعَبي حين أخذه بتعليم ولده : علمهم الصدقَ كما تعلمهم القرآن ، وجنِّبهم السِّفلةَ فإنهم أسوأ الناسِ دَعةً وأقلُّهم أدباً ، وجنِّبهم الحشَمَ فإنهم لهم مَفسدة ، وأحفِ شعورَهم ( قصِّرها كثيراً ) تغلُظ رقابُهم ... وعلمهم الشِّعرَ يمجُدوا ويُنجُدوا ... فإذا احتجتَ أن تتناولَهم بأدبٍ ، فليكن ذلك في سِتر ، لا يُعلَمُ به أحدٌ من الغاشيةِ فيهونوا عليهم .
وقال آخر : ولا تُخرجْهم من علمٍ إلى علمٍ حتى يُحكِموه ؛ فإن اصطكاكَ العلم في السمْع وازدحامَه في الوهم ، مَضَلَّةٌ للفهم .
جاء رجلٌ من الأنصار واضعاً خشبةً على مِنكَبِه ، فقال : يا رسولَ الله ؛ أين هؤلاء الذين لم يُصدِّقوا ربَّهم حتى حلف لهم قال : " فوربِّ السماءِ والأرضِ إنه لَحقٌّ مثلَ ما أنكم تنطقون " ؟ قال : ما تصنعُ بهم ؟ قال : أضربُهم بخشبتي هذه ..................
والبقيةُ تأتي بإذن الله !
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
د. شعبان عبد الجيِّد
